محمد بن جرير الطبري
214
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا ، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه ، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه ، وحدثوا به أنفسهم ، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم ، في وقت من الأوقات ، وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم ، ومن أن يفلحوا أبدا ، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا ، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف ، وهلك بعض قبل ذلك كافرا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت به الآثار . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن موسى الحرشي ، قال : ثنا أبو خلف ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا ، فيكون أغنى رجل بمكة ، ويزوجوه ما أراد من النساء ، ويطئوا عقبه ، فقالوا له : هذا لك عندنا يا محمد ، وكف عن شتم آلهتنا ، فلا تذكرها بسوء ، فإن لم تفعل ، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ، فهي لك ولنا فيها صلاح . قال : " ما هي ؟ " قالوا : تعبد آلهتنا سنة : اللات والعزي ، ونعبد إلهك سنة ، قال : " حتى أنظر ما يأتي من عند ربي " ، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ السورة ، وأنزل الله : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ إلى قوله : فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني سعيد بن مينا مولى البختري ، قال : لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية بن خلف ، رسول الله ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشركك في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه ، وأخذنا بحظنا منه ؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت منه بحظك ، فأنزل الله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ حتى انقضت السورة وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يقول تعالى ذكره : لكم دينكم فلا تتركونه أبدا ، لأنه قد ختم عليكم ، وقضي أن لا تنفكوا عنه ، وأنكم تموتون عليه ، ولي دين الذي أنا عليه ، لا أتركه أبدا ، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ قال : للمشركين ؛ قال : واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون ، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء ، وبما جاءوا به من عند الله ، ويكفرون برسول الله ، وبما جاء به من عند الله ، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا ، قال : إلا العصابة التي بقوا ، حتى خرج بختنصر ، فقالوا : عزير ابن الله ، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى ، قالوا : المسيح ابن الله وعبدوه وكان بعض أهل العربية يقول : كرر قوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وما بعده على وجه التوكيد ، كما قال : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً وكقوله : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ آخر تفسير سورة الكافرون [ تفسير سورة النصر ] القول في تأويل قوله تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش ، وَالْفَتْحُ فتح مكة ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ